عن قريب... أوضاع إنسانية وصحية تفتك بالغزيات

رامي محسن- غزة

كثيرة هي حكايات النزوح المجبولة بالمعاناة، قصص وأحداث من رحم الألم، منذ 7 أكتوبر الماضي ذاقت الغزيات كما حال الجميع كافة أصناف الألم، وتجرعن مختلف أنواع الموت، فآلة الحرب وما انتجته من دمار هائل على الصعد المادية والإنسانية لم تستثن الحجر ولا الشجر ولا البشر، فتارة تقصف الطائرات  منازل الامنين بأطنان من المتفجرات، وتارة تطلق المسيرات الرصاص على المدنيين الباحثين عن الحياة بين الركام، وتارة أخرى تختلط دماء الباحثين عن الحياة بالطحين وهم يحاولون الظفر بمساعدات مغمسة بالموت، هذه الأصناف وأكثر تجرعتها الغزيات والغزيون ولا يزالون حتى تاريخ كتابة المادة التي سنستعرض فيها القصص من واقع النزوح حول معاناة الغزيات على الصعيد الصحي والإنساني.

معاناة النزوح.. واقع مرير وظروف صحية سيئة للغاية

تقول "أم معين"؛ المسنة النازحة من بيتها بشمال غزة، والتي تسكن حاليا في خيمة من البلاستيك في منطقة المواصي برفح جنوب قطاع غزة، أنها تعيش ظروف إنسانية صعبة للغاية، نتيجة انعدام الحياة كما تقول، وصعوبة كل شيء، حتى أنها تجد صعوبة كبيرة في الوصول للمراحيض وأماكن الاستحمام بمخيم النازحين الذي تقيم فيه مع عائلتها؛ لأنها تقع في منطقة كثبان رملية صعبة، بالإضافة لبعدها عن خيمتها.

وتضيف المسنة بأنها تعاني من صعوبة الحركة وآلام في العظام، ما دفعها للاعتماد على العكاز كأداة مساعدة للحركة، إلى جانب مشاكل في الإبصار والرؤية، خصوصا في ظل انعدام أي وسيلة للكهرباء والإنارة، وعدم توصيل المراحيض التي تستخدم أيضا كأماكن للاستحمام بشبكة المياه أو حتى شبكة الصرف الصحي، واعتماد تصريفها على حفر امتصاصية مكشوفة يحفرها النازحون في الأرض في محاولة لمساعدة أنفسهم على قضاء حاجتهم. لذلك فهي تعيش وسط خوف دائم من الوقوع في حفرة لا تراها، خصوصا بأن عكازها يغوص في الكثبان الرملية ما يزيد من معاناتها.

وتستدرك قائلة هذه الأماكن تفتقر للنظافة والطهارة، ولا تصلح للاستخدام الآدمي، وينتشر فيها وحولها الذباب والحشرات والروائح الكريهة، ما يجعلها سببا لانتشار التلوث والأمراض المعدية والمعوية التي لم تفارقني منذ بداية الحرب والنزوح.

أما النازحة "أم المجد"، وهي أم لثلاث أطفال فتقول: "إن المراحيض التي يستخدمونها لقضاء الحاجة وللاستحمام في نفس الوقت، عبارة عن أعمدة خشبية يكسيها شادر من النايلون، ومساحتها صغيرة، والذهاب إليها شكل من أشكال المعاناة، وانتهاك آدمية البشر، كونها بدائية وبعيدة عن الخيام، وتفتقر للمياه والنظافة"، وتضيف بأن معاناتها تزداد كلما احتاجت الذهاب للمرحاض ليلا هي أو أحد أطفالها، وسط مشهد الخيام والظلام والخوف المزدوج، خوف من صوت القصف والطائرات التي لم تفارق السماء، وخوف آخر من العتمة والحيوانات الضالة.

"أم المجد" واحدة ممن يشعرن بحرج شديد كلما ذهبت للمرحاض، كونها تحمل بيدها قارورة مياه لاستخدامها في النظافة، وبالتالي يعرف كل من يراها بأنها ذاهبة للمرحاض أو الاستحمام، وأحيانا كثيرة تضطر للوقوف على الطابور لأكثر من ربع الساعة، حتى تتمكن هي أو أطفالها من الدخول لقضاء حاجتهم. في ظل انتشار الأمراض المعوية من تقيؤ وإسهال متكرر، يصيب أطفالها والأطفال النازحين عموما.

 

 

 

انعدام النظافة.. وانتشار الأمراض والأوبئة

لقد أدى الاكتظاظ السكاني الهائل بفعل النزوح وخصوصا في الجزء الجنوبي من قطاع غزة، الى تفاقم معاناة النازحين، بحيث أصبحت هذه المناطق أوساطا مناسبة لانتشار الأمراض والاوبئة والذباب والحشرات، ومختلف الأمراض ومنها الكبد الوبائي، وفاقم من هذه المعاناة تدمير شبكات الصرف الصحي، وانتشار مياه المجاري في الشوارع والمناطق المفتوحة، كما يحاول الغزيون عمل حفر امتصاصية في خيم النزوح التي يقيمون بها في محاولة لتصريف المياه ومخلفات الصرف الصحي الناتجة عن الاستحمام والمراحيض، وما يزيد من حدة هذه المعاناة أيضا ارتفاع درجات الحرارة واقتراب دخول فصل الصيف.

 وحول تجربة النزوح تشير آلاء ثابت؛ المتطوعة في مؤسسة "بيالارا" بقطاع غزة بأن مدارس الايواء تعاني بشكل مأساوي من انعدام كافة مقومات الحياة الإنسانية، وأبرزها ظروف النظافة، حيث الحمامات المختلطة للذكور والاناث، والساعات الطويلة لانتظار دخول المراحيض، ناهيك عن الروائح الكريهة والأمراض، بالإضافة إلى المياه غير الصالحة للاستخدام الأدمي.

وتضيف ثابت: "الظروف التي يعشنها السيدات في القطاع، غاية في السوء بحيث لا يتوفر أي من المواد اللازمة أو المناسبة للسيدات من أجل تلبية احتياجاتهن، بالإضافة إلى الخوف والقلق والضغط النفسي الذي يفاقم من معاناتهن".

وتقول سهى سكر؛ المتطوعة في بيالارا بأن النساء في القطاع يواجهن الأمرين على الصعد الإنسانية والصحية نتيجة انعدام الاحتياجات الأساسية الطبيعية للسيدات، بداية من الظروف السيئة للمراحيض مرورا باحتياجات النظافة الشخصية وصولا للأدوية اللازمة.

وتقول مادلين شقليه؛ إعلامية من قطاع غزة، بأن ارتفاع أسعار الاحتياجات الضرورية للنساء، وعدم توفر المياه، وانعدام الظروف الصحية للاستحمام والمراحيض جعلت النساء يعانين ويلات جديدة أخرى للحرب، كما أن دخول فصل الصيف سيفاقم الأوضاع الصحية سوءا حال استمرت الحرب والنزوح.

ظروف صحية سيئة للحوامل..

وتقول ثابت بأن النساء الحوامل يمررن بظروف صحية صعبة للغاية، من حيث عدم توفر الأكل الصحي الذي يحتوي على الفيتامينات والمعادن والعناصر الغذائية الأساسية، بفعل الاعتماد على المعلبات، وعدم توفر المياه الصالحة للشرب، كما أن العيادات والمراكز الصحية المختصة بمتابعة السيدات الحوامل غير متوفرة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى الإجهاض أو معاناة المولود من ظروف صحية صعبة.

يتواصل الحصار المطبق على القطاع، ويستمر منع دخول كافة مقومات الحياة للقطاع باستثناء كميات قليلة من المساعدات وهو ما يتعارض مع أبسط كقومات الحياة، والحق في الحصول على المياه النظيفة، والحق في الحركة، دون أن يحرك أحد ساكنا لحماية المدنيين والواجبة حمايتهم وفق كل القوانين والأعراف الدولية.