"مضطرين أن نكون كذلك"... سجّل أنا غزّية

نغم كراجة - غزة

سجل أنا غّزية، نازحة في بلدي ومشردة في أزقتها، سمعت وشاهدت وتذوقت الموت مراراً وتكراراً، لم تكف جميع حواسي لوصف شعور الرهبة والنجاة في آن واحد، كل الطرق في غزة شاهدة على خطواتي المتعثرة وأنفاسي المتقطعة.

معاناة مستمرة وظروف صعبة

مرت أيام وأسابيع وأشهر لم أعرف فيها معاني الراحة والأمان، حتى النوم لا يعرف لنا طريقاً ونحن نسيناه، بطونٍ خاوية ملئتها أعلاف الدواب وحشائش الأرض الخضراء والمياه المالحة، نهارا كالليل يكسوه السواد... ليست عتمة إنما سحب الدخان والغبار المتطاير من الانفجارات والهدم، أفواهٍ صامتة ونفوسٍ منكسرة طغى عليها اليأس والتذمر، لا شيء أبداً يصلح للعيش هنا، كل الخيارات مرفوضة، مهينة، نعم إنه صمود إجباري ممزوج بقلة الحيلة ومحدودية الخيارات.

تفوح رائحة الدم من كل اتجاه، والمقابر الجماعية في كل منطقة... يبدو أننا اعتدنا المشهد، وكأن الموت أصبح يمثل حياة جديدة؛ لا جوع ولا عطش ولا نزوح ولا جزع، منذ ستة أشهر يتشكل قطاع غزة بطريقة جديدة بعيداً عن جحيم وقتل ودمار وعناد... قطاعنا أبي ولا بد أن يكون حرا ومستقرا دون كل هذا الخراب.

سجّل أنا غزي، أنصب طاولة صغيرة أبتاع عليها بعض الحاجيات للأطفال كي أجد في نهاية اليوم مصروفاً يلبي سعر كيلو واحد من الدقيق. لم تشفع لنا شهاداتنا الجامعية، ومناصبنا ومراكزنا العلمية والعملية، كلنا تساوينا في المشقة والرهبة والجوع والقهر... انظر إلى طوابير استلام المساعدات وتعبئة المياه فهي شاهدة على قهرنا وحسرتنا.

الموت ومرارة الفقد

تبكيني دموع الأطفال على ذويهم، يا الله كيف لقلب صغير بريء أن يتحمل مرارة الفقد ويصبح في سن مبكرة صاحب الخطوة والمسير.

هناك رأيت أم لطفلين توأم أعمارهم لا تزيد عن عام ونصف أنجبتهم بعد حرمان لـ 14 عاما؛ قتلتهم آلة الحرب بدم بارد في استهداف حرم والدتهما من سماع كلمة "ماما" لأول مرة، تجوب الأزقة وتحمل صورتهما في مشهد يدمي القلب وتنادي عليهما أن يعودان وتنشد لهما كما اعتادت قبل النوم... هل أزعج صوت الأطفال ومناغاتهم صوت الانفجارات والدمار لتنتقم منهما الصواريخ وقذائف المدفعية!

"الناجي الوحيد "؛ المصطلح الأكثر مأساة والأشد وجعاً، كان من الأولى أن نسميه الشاهد الوحيد... شاهدا على الوجع والرجفة والنظرات الأخيرة وأنين الجرحى... شاهد على الوحدة والفقد والكثير من المشاعر التي سيحرم منها طيلة عمره، عن أي نجاة تتحدثون والموت زار الجميع... خطف الجميع بشرا وذكريات، ولا يزال الناجي الوحيد يشرح للعالم كيف تسير حياته رغماً عن الظروف دون وجوه الأهل؟

سجّل أنا غزية، ولو كان محمود درويش حياً بيننا لأدرك أن لا أحد يعلو على صبرنا ولأعاد كتابة بيت قصيدته من جديد... وبالتأكيد سيكتب المزيد في ظل الصمت الفاضح الذي أطبق خناقه على كل شيء.

سياسة انتقام ممنهجة

مغلوب على أمرنا، نبدأ يومنا من معركة جمع الحطب وتوفير القوت اليومي وصولاً إلى محاولة إغماض أعيننا عن هذا الواقع المرير، ناهيك عن رحلة جلب المياه التي باتت أكبر معاناتنا اليومية... عيشة لا رحمة فيها يسودها البؤس... كيف لا وقد دمر الحجر والشجر وأبيدت عائلات بأكملها، وتجرّعنا مرارة الفقد، وأصبح جوعنا وعطشنا سياسة للانتقام، وللخبز المغمس بالدم حكاية أخرى... لو تعلم كم طفلا أكل خبزا مغمساً بدماء أبيه... لقد تحولوا إلى يتامى بعد أن استهدف والدهم وهو يبحث عن الدقيق.

سلام لوطننا الذي مزقته الحروب والصراعات، سلام على من تغرّب قسراً وهاجر هربا من لهيب المعارك وحمم الموت، تاركاً خلفه الأحلام والطموحات والأحبة والأصدقاء والذكريات تحت الأنقاض، روح وريحان لأرواح من فقدناهم الذين ستبقى مجالسهم فارغة تنتظر عودتهم المستحيلة، ستخلو التفاصيل اليومية من نكهة وجودهم... من سيعيد لون الحياة الزاهي إلى أعيننا، وإن عشنا سنبكي كثيرا وقد نفرح كثيرا لأننا "مضطرين أن نكون كذلك".