النزوح القسري المتكرر نبش جديد للألم

رامي محسن - غزة

تواصل الحرب على قطاع غزة أوزارها، ويستمر معها إعدام أدنى مظاهر الحياة بشكل ممنهج في كل القطاع، وليس أدل على ذلك سوى الحصيلة الكارثية للضحايا من البشر والشجر والحجر، وذلك بمعطيات رسمية وأممية.

من بين التداعيات ربما الأكثر إيلاماً للحرب، هو تكرار عمليات نزوح المواطنين قسراً داخل مختلف جغرافيا قطاع غزة، حتى وصل بهم الحال أن نصبوا خيامهم في الشوارع والطرقات والساحات، أملاً في النجاة من قذائف الموت التي تتساقط عليهم من البر والجو والبحر بلا أدنى رحمة. فيضطر النازحون للنزوح مجدداً ومن مكان إلى آخر، بعد أن ألفوا المكان الذي نزحوا إليه في وقت سابق، محاولين بذلك التعايش الإجباري مع نمط الحياة القاسية، التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة العادية.

المؤلم في النزوح المتكرر أنه يعيد النازحين والمواطنين عموماً لحالة عدم الفهم الجمعي للساعات الأولى لانطلاق الحرب وويلاتها، كما ينبش ذكريات الألم بداخلهم، ومشاعر الصدمة والخوف والفقد والتيه كما وأنها تحدث للتو، خلال هذا التقرير الإنساني سنحاول استطلاع تداعيات النزوح المتكرر على المواطنين بقطاع غزة، بعد سماع عدد من القصص الحية.

يقول "أبو حازم" أنني نزحت من بيتي بشمال غزة (5) مرات منذ بداية الحرب، إما تحت القصف، وإما باتصال هاتفي أو منشور يطلب منا مغادرة المكان فوراً والتوجه لمكان آخر، ويتذّكر أنه في أحد مرات النزوح تفاجأ مع نازحين كُثر، بقوات غير مألوفة من الترسانة العسكرية قد حاصرت مكان الإيواء المُتواجدين به، وبدأت بإطلاق النار في كل الاتجاهات، وطلبوا منا المُغادرة وترك أمتعتنا في المكان، فما كان أمامنا سوى الانصياع للتعليمات والمغادرة بعد تفتيشنا من قِبل الجنود بشكل دقيق، ويضيف: هذا أمر حياة أو موت بالنسبة لنا، وأن مع كل عملية نزوح تبدأ رحلة جديدة من القلق والخوف والحيرة، والأصعب من ذلك التّكبد بتكاليف مالية كبيرة، للنقل وشراء أعمدة الخشب والشادر "نايلون مُقوى" لصناعة خيمة جديدة تأويني وأسرتي، إضافة للمستلزمات الأخرى التي تعيننا على حياتنا الجديدة، وسط انعدام الدخل والاحتكار وغلاء الأسعار وعدم السؤال عنا من أي جهة.

أما النازح الخمسيني "أبو أحمد"، فيقول: نزحت مع أسرتي البالغة (22) شخصاً (3) مرات، الأولى من غزة إلى خانيونس بعد قصف منزلنا وتدميره بالكامل، والثانية من خانيونس إلى رفح جنوباً بسبب العملية العسكرية الواسعة، والثالثة من رفح إلى دير البلح بالمحافظة الوسطى بعد مطالبتنا بإخلاء المنطقة مؤخراً، ومع كل عملية نزوح تكاليف مادية لم تكن بالحسبان، وبداية أخرى لحياة ليست بحياة، وعودة إلى بدايات الوجع والصدمة، خصوصاً أننا كنا نعد الأيام يوماً تلو الآخر، ونتحرى أخبار وفود المُفاوضات، على أمل إنتهاء الحرب والعودة لديارنا، ولو بخيمة على الأنقاض.

وبدورها تقول النازحة "أم أيمن"، أسوأ ما في الحرب النزوح، وأسوأ ما في النزوح أنه تَكرّر أكثر من مرة خلال الحرب، فأنا وعائلتي نزحنا من بيتنا (4) مرات حالنا كحال الكثيرين من المواطنين الغزيين، وتتذكّر لحظة النزوح أول مرة وقسوتها، وكم كان القرار صعباً عليهم، والحيرة التي رافقتهم يومها، وتُضيف: كنا في حالة ضياع لا نعرف أين سنذهب، ولا ماذا سنفعل؟ لكن لا مفر أمامنا، نزحنا من بيتنا وأخذنا معنا القليل من الملابس وأوعية الطبخ والأغطية، ظنِنا أن الحرب لن تطول.

ختاماً؛ تستمر الحرب وحالة النزوح القسري، ويستمر معها نزيف الروح، الأحلام البسيطة، وكذلك المشاعر الإنسانية، ورغم كل ذلك لا يزال الأبرياء يحلمون بانتصار صوت العقل والضمير، الوردة على المدفع، وعيونِهم ترقُب موعد إعلان إنتهاء الحرب، ولحظة احتضانهم ركام منازلهم بما تحتويه من ذكريات متناثرة، علها تشكل لهم دافعاً للتعافي والانبعاث من جديد.