اقتناء "شبشب" في قمة الطموح... على الدنيا السلام

رامي معين محسن

ناشط قانوني وحقوقي- غزة

تتواصل الحرب على قطاع غزة لتقترب من ختام عامها الأول، مخلفة تداعيات أقل ما يقال بحقها أنها صادمة، ليس على صعيد الأرواح والممتلكات والذكريات فقط، وإنما على صعيد الواقع الإنساني الذي أصبح فيه كل شيء حلم وأمنية.

لا أركز في هذا المقال على الحرب والفقدان والدمار والنزوح والمجاعة والفقر والغلاء الفاحش وانعدام الخيارات لاستمرار الحياة الإنسانية حتى وإن كانت في أدنى مستوياتها.

"الشبشب" أصبح أمنية للنازحين، ورغم بساطة القصة لا يكاد يخلو منها أي مجلس في أماكن النزوح، الطرقات، عربات النقل التي يجرها حمار، وفي الأسواق؛ وتأخذ حيزا من نقاشات الناس تماما مثل أحوال الطرق ومناطق القصف، ولعنة الواقع وما وصل إليه حالهم، وليس مبالغة إن قلت بأن الحديث عن "الشبشب" بات يستحوذ اهتمام أكبر من انتظار الأخبار حول إعلان التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار... الشبشب حاجة ملحة!!!

يرتدي أبو أحمد في قدميه صندل/ شبشب مهترئ، وهو النازح قسراً أكثر من مرة يقول: "يا وِلداه ما هذه الأيام التي لحقناها؟، أين كان يختبأ لنا كل هذا البؤس والهوان؟ ويضيف: في أسوأ الكوابيس لم أرى أن يأتي عليَّ يوم أمشي فيه حافياً، أو ألبس مثل هذا الصندل/ الشبشب الذي عجز السكافي عن إصلاحه!

استمعت الحاجة أم مصطفى لحديث أبو احمد وقالت: لن أتحدث عن معاناتي في العيش أشهر طويلة في الخيمة ولا عن عدم توفر الأكل والشرب، وفقط سأقول: "لا يوجد لدي شبشب أضعه في قدماي حين أضطر للخروج لأي سبب كان بما في ذلك قضاء الحاجة وفهمك يكفي".

وكذلك الأمر بالنسبة للمسن أبو قاسم الذي قال بأنه أغلب الأحيان يمشي حافيا منذ شهرين... وأحياناً أتقاسم أنا وزوجتي لبس الشبشب المُهترئ، يتنهد عميقاً ثم يصمت ثم ينطق "ماذا فعلنا لنُعاقب بكل هذا الجحيم، رضينا بالهم والهم ما رضي فينا، ويتساءل بغرابة هل يعقل أن أمشي حافيا في عز حر شهر آب اللهاب؟!

"أخبرني الأطباء بأنهم سيقومون ببتر أجزاء من أسفل قدمي"، هذا ما قالته الُمسنة أم فادي التي تعاني من مرض القدم السكرية المزمن، وهو ما يمنع التئام الجروح بسهولة، وأصيبت قدمها بسيخ حديد حيث لا يزال الجرح مفتوحا ويسيل منه الصديد، وتتذكر أن الطبيب قبل الحرب كان يوصيها بالعناية بقدميها، ولبس الجوارب القطنية، وحذاء طبي، وتجنب الجروح، خوفاً من مضاعفات التقرح، وتضيف: كنت ملتزمة بذلك، أما اليوم، فلا يوجد عندي حذاء ولا شبشب ولا يتوفر أصلا في الأسواق وإن تواجد فسعره بالدولار!

يتكرر هذا المشهد مع الكبار والصغار؛ فتلك الطفلة ليان تلعب حافية القدمين، اقتربت منها وهمست في أذنها لماذا تسيرين حافية؟ فقالت: "شبشبي انقطع من زمان، وأبوي مش قادر يشتريلنا شباشب... والله الأرض زي النار وما بتحمل أمشي عليها حافية.

همسة في أذن عاقل: أزمة الشبشب، وأمنيات النازحين بأن يكون لديهم شباشب تكشف الكثير من الصور والمعاني، وكيف هو الضمير العالمي والشعور الإنساني، والفجوة بين الحقيقة الواقعية والخطابات النظرية عبر الفضائيات وبعض التقارير التي نطالع ما تيسر منها... وأكتفي بأن أقول في ذيل هذه الصورة القلمية: ملعونة كل الأحلام حين يصبح طموح أهل غزة اقتناء "شبشب".