ترند بيالارا - أخبار
بين إصرار الحياة وألم الفقد.. كيف يستقبل الفلسطينيون الشهر الفضيل؟

تقرير: صابرين قطوسة

مع اقتراب هلال الشهر الفضيل، لا تبدو الشوارع الفلسطينية هذا العام كما كانت عليه دائماً؛ فبين زحام الأسواق في الضفة، وأنقاض البيوت في غزة، ثمة معركة صامتة تدور رحاها، معركة بطلها "الإنسان الفلسطيني" الذي يحاول انتزاع طقوسه المقدسة من بين مخالب واقع اقتصادي وسياسي مرير.

غزة.. صيامٌ تحت وطأة النزوح والوجع

لقد أعادت الإبادة صياغة كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة، حيث تبدو الاستعدادات لرمضان عبارة عن محاولة مستميتة للتمسك بالبقاء، تنقل الصحفية آلاء ثابت من قطاع غزة صوتاً مثقلاً بالوجع يسكن كل بيت غزي، فتقول: "صراحةً، يحاول الواحد منا تجنب الإجابة لأنها موجعة، ولكن رمضان شهر مبارك ونقدسه كمسلمين، لكننا فقدنا فيه هذا العام كل شيء؛ المساجد التي كانت تصدح بالتراويح، الأحباب وصلة الأرحام التي تلاشت إما بالاستشهاد أو السفر، ناهيك عن فقدان البيوت التي هي أساس الأجواء الرمضانية". بالنسبة لآلاء، الاستعداد اليوم ليس بشراء الطعام، بل هو "إيمانٌ كافٍ بأن نقدر على إكمال هذه الحياة المفروضة علينا، لا الحياة التي نحب".

وفي زاوية أخرى من المعاناة، ترسم لنا الصحفية سهى سكر لوحة "مطبخ النازح"، ففي الوقت الذي كان فيه الغزيون قبل الحرب ينشغلون بتجديد أواني المطبخ وشراء أفخر أنواع الزينة، بات همّهم اليوم بدائياً ومؤلماً، تقول سهى: "نحن في رمضاننا الثالث تحت الإبادة، لا يوجد مأوى ولا غاز، نفكر اليوم كيف سنصلي في العتمة، وكيف سنحضر سحورنا وإفطارنا بلا مطبخ ولا أدوات"، وتضيف أن الناس هناك يحاولون التوفير في استهلاك الغاز لأن طقوس الطبخ باستخدام الخشب متعبة للصائم، واصفةً الوضع بأنه تخطى قدرة البشر على التحمل، ومع ذلك يظل الصوم شعيرة لا يمكن التخلي عنها.

الضفة والقدس.. زينة وفوانيس رغم الألم

بالانتقال إلى الضفة الغربية، لا يبدو المشهد أقل تعقيداً وإن اختلفت الأدوات، فالضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحصار والبطالة وارتفاع الأسعار، جعلت من "تجهيز المائدة" هماً يوميا، يقول صلاح الدين غانم من مدينة القدس، الذي يعمل دليلاً سياحياً، واصفا هذه الحالة بمرارة: "في ظل الاحتلال والظروف العصيبة، أصبح من العسير تجهيز أي شيء خاص، حيث أننا مشغولون طوال الوقت بالعمل لمجرد سداد رمق العيش، لذا لا توجد تجهيزات مختلفة عن بقية السنة من حيث الطعام"، ورغم هذا الضيق، يصر صلاح الدين على أن "الفانوس الصغير والإنارة البسيطة في غرفة المعيشة" هما الشي الوحيد المتبقي للحفاظ على قدسية الشهر وبهجته داخل البيت.

هذا الإصرار على "صناعة الفرح" تتبناه أيضاً الناشطة الشبابية مرح سرحان، التي ترى أن رمضان هذا العام يجب أن يكون روحانياً بامتياز، تقول مرح: "نحرص على استقباله بروح أكثر هدوءاً وامتناناً رغم التحديات، استعداداتنا بسيطة، لمسات خفيفة في زوايا البيت تبعث الدفء، مع التركيز على التكافل كضرورة إنسانية قبل أن يكون عادة اجتماعية". بالنسبة لمرح، فإن قيمة رمضان تكمن في "اللمة" حول مائدة واحدة مهما كانت بسيطة، وفي إحياء صلاة التراويح وقراءة القرآن، وهي التفاصيل الصغيرة التي تبقي روح الشهر حية.

رمضان.. تهيئة الروح قبل الجسد

لا يقتصر الاستعداد على المظاهر، بل يمتد إلى "هيكلة" الذات لاستيعاب الشهر، سلسبيل كحلة؛ طالبة الإعلام في جامعة بيرزيت تتحدث عن الاستعداد من منظور نفسي وجسدي، حيث تبدأ العائلات بتهيئة أجسادها عبر تقليل الكافيين وزيادة شرب المياه، وتؤكد سلسبيل أن "زينة رمضان والجمعة العائلية" ليستا مجرد كماليات، بل هما ضرورة نفسية لتشعرنا بتميز هذا الشهر وفصله عن روتين المعاناة اليومية.

أما في منزل نيرمين الباشا، فتتحول الاستعدادات إلى رسائل تربوية للأجيال القادمة، تحرص نيرمين على توفير فوانيس صغيرة لكل طفل لإدخال البهجة إلى قلوبهم، وخلق عادات تجمع العائلة مثل "فقرة لعب كرة القدم في الحارة بين الآباء والأطفال" قبل موعد الإفطار بنصف ساعة، هذه اللحظات، التي تنتهي باجتماع الجميع على طبق "القطايف بالجبنة والجوز"، هي ما يمنح الحياة معناها رغم المنغصات.

إرادة لا تنكسر.. رمضان كفعل صمود

بين غزة التي تحاول استعادة أنفاسها تحت القصف، والضفة التي تواجه الحواجز، والقدس التي تكابد للوصول إلى الأقصى، يبدو أن الفلسطينيين اتفقوا على "دستور" غير مكتوب لرمضان هذا العام: البساطة في العيش، والصلابة في الإيمان، إنها حكاية شعب يرفض أن يُهزم بالفقر أو الفقد، إن إصرار العائلات على تزيين خيمة أو ركام منزل، أو الاكتفاء بلقيمات بسيطة في إفطار جماعي، ليس مجرد طقس ديني، بل هو "قصة إنسانية ملهمة" عن الصمود والتمسك بالهوية، رمضان في فلسطين هذا العام هو صرخة في وجه الصعاب، تؤكد أن النور الذي ينبعث من فانوس صغير في أزقة مخيمات اللجوء، أقوى من كل عتمة يفرضها الواقع.