ترند بيالارا - أخبار
بين جشع الاحتكار وتآكل الدخل.. هل أصبحت مائدة رمضان "رفاهية" للفلسطينيين؟

تقرير: حاتم أبوزيد

يطل شهر رمضان المبارك على الفلسطينيين هذا العام وهم يواجهون واحدة من أقسى الأزمات المعيشية المستمرة، فبينما يواجه أهلنا في قطاع غزة واقعاً مأساوياً بعد توقف المدافع، حيث اصطدموا بندرة السلع وارتفاع أثمانها لدرجات خيالية، يكتوي المواطنون في الضفة الغربية والقدس بنيران "جنون الأسعار" الذي طال اللحوم والدواجن وبعض المواد الأساسية، هذا "الجنون" السعري جعل تساؤلات الشارع تضج بالبحث عن الرقابة الغائبة ومسؤولية الجهات المختصة في حماية جيوبٍ لم يعد فيها متسع لمزيد من الاستنزاف.

غزة.. حين يصبح الطعام حُلماً فوق الركام

انتهت الإبادة في غزة، لكن "حرب الجوع والأسعار" بدأت فصولها القاسية، حيث لم يعد السؤال عن الموت، بل عن كيفية تأمين لقمة الإفطار وسط دمار هائل وندرة في كل شيء، الصحفية سهى سكر تنقل مشهداً يفوق الوصف، مشيرة إلى أن هذا هو الرمضان الثالث الذي يقضيه الغزيون في ظل واقع لا يطاق، تقول سهى بمرارة: "انتهى القصف، لكننا وجدنا أنفسنا بلا بيوت ولا غاز وبأسعار فلكية، نحن نشتري الخشب بأسعار جنونية لنطبخ عليه وسط غياب أدنى مقومات الحياة، نبتلع نار التعب والحر لمجرد أن نعد سحوراً بسيطاً، والأسعار هنا قفزت لدرجات غير منطقية نتيجة الندرة والاحتكار، مما جعل الصيام امتحاناً للقدرة على البقاء".

ورغم هذه الظروف المادية الصعبة، يبرز صوت الناشط الصحفي مهدي نعيم، الذي يؤكد أن الغزيين يواجهون غلاء الأسعار والدمار بـ "إرادة الحياة"، حيث يوضح مهدي أن العائلات تحاول الحفاظ على لمة الأهل فوق الردم، ويكبر دور الشباب في هذه المرحلة من خلال تزيين ما تبقى من جدران الشوارع والمساجد المهدمة بفوانيس بسيطة مصنوعة من الكراتين والورق الملون، في محاولة لخلق بهجة للأطفال الذين فقدوا كل شيء، وللتأكيد على أن روح رمضان لن تكسرها نيران الأسعار ولا أكوام الردم.

من غزة إلى القدس.. "سوقٌ مستعر" والفقير هو الضحية

وبالانتقال إلى الضفة والقدس، تضج الأسواق بحالة من الغضب الشعبي نتيجة الارتفاع غير المبرر في السلع الأساسية، إذ يرى الصحفي موفق عميرة أن الارتفاع الحاد في أسعار اللحوم والدواجن هو "استغلال صريح" لمناسبة دينية مقدسة، ويؤكد عميرة أن تضاعف المشتريات يفتح الشهية لبعض التجار لممارسة الاحتكار، مما يستوجب على الجهات ذات العلاقة تشديد الرقابة الميدانية وملاحقة المتلاعبين بالأسعار لضمان استقرار السوق وحماية ما تبقى من كرامة معيشية للمواطن.

ومن نابلس، يرفع الصحفي حمدي أبو ظهير صوته مطالباً بـ "الرقابة ثم الرقابة"، مشيراً إلى أن جشع بعض التجار غير المبرر هو المحرك الأساسي لهذا الجنون السعري، ويضيف أبو ظهير أن هناك مشاكل بنيوية في الاقتصاد الفلسطيني ومعيقات في الاستيراد تساهم في هذه الأزمة، لكنه يشدد على أن الثروة الحيوانية في فلسطين تعاني من إهمال جعل أسعار اللحوم محلياً هي الأعلى مقارنة بدول الجوار، مما جعل مائدة رمضان ثقيلة جداً على كاهل رب الأسرة الذي يقف عاجزاً أمام طلبات أطفاله.

حماية المستهلك.. محاولات لفرض "سقوف" الرحمة

أمام هذا الانفجار السعري، تؤكد جمعية حماية المستهلك أنها تخوض معركة يومية لضبط الأسعار، ويوضح صلاح هنية؛ رئيس الجمعية أنهم يتابعون منذ اليوم الأول ارتفاعات الأسعار، مشيراً إلى أن الجمعية نجحت مؤخراً، من خلال سلاح "ضعف الطلب" من المستهلكين، في فرض تراجع في أسعار الدواجن لتستقر بين 13-15 شيكلاً، مؤكداً أن "المستهلك الواعي هو القادر على كسر الاحتكار".

ويشير هنية إلى أن التدخلات الحالية تركز على نشر "سقوف سعرية ملزمة" للتاجر ومرشدة للمستهلك، وأي تجاوز لها يعتبر جريمة اقتصادية تستوجب التبليغ فوراً عبر خط الشكاوى، كما كشف عن تعاون مع جهاز الإحصاء لإطلاق منصة رقمية لمتابعة الأسعار لحظة بلحظة، مما يمنح الجهات الرقابية سعة للتعرف على حركة السوق وضبطها ومنع أي تلاعب غير قانوني، والعمل المباشر مع نيابة الجرائم الاقتصادية لفرض عقوبات رادعة على "تجار الأزمات".

في نهاية المطاف، لا يبدو "جنون الأسعار" الذي يضرب الأسواق الفلسطينية مجرد نتيجة طبيعية لظروف اقتصادية عالمية، بل هو في جوهره انعكاسٌ لأزمة "أخلاقية ورقابية" تترك المواطن وحيداً في مواجهة استغلالٍ لا يرحم، فبينما تتآكل القدرة الشرائية للعائلات حتى بلغت أدنى مستوياتها منذ زمن، يصرّ بعض التجار على تحويل "قدسية الشهر" إلى موسمٍ للاحتكار وتحقيق الأرباح الفاحشة على حساب موائد الفقراء والمنكوبين الذين لم يلملموا جراحهم بعد.