بقلم: حكمت نبيل المصري - غزة
في خضمّ الحياة اليومية، ينشغل الإنسان بالسعي والعمل وبناء الأحلام، وكأن الزمن يمتد بلا نهاية، نخطط للمستقبل، نختلف حول الأفكار، نتنافس على المكاسب، ونخوض صراعات صغيرة وكبيرة من أجل تحقيق ما نعتقد أنه جوهر الحياة، لكن وسط كل هذا الصخب، تبقى هناك حقيقة هادئة وثابتة لا يمكن إنكارها أو الهروب منها، ألا وهي: الموت.
الموت هو الحقيقة الوحيدة التي يتفق عليها جميع البشر، مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم ومعتقداتهم، فهو النهاية التي تنتظر الجميع بلا استثناء، والغموض الذي يرافق رحلة الإنسان منذ لحظة ولادته، قد يختلف الناس في تفسير الحياة ومعناها، وقد تتغير الظروف والأقدار، لكن الموت يظل الحدّ الفاصل الذي يضع نهاية لكل قصة إنسانية.
وفي حياتنا اليومية، كثيرًا ما نرى كيف تغيّر مواجهة الموت طريقة تفكير الإنسان، فكم من شخص كان غارقًا في خلاف عائلي طويل، ثم فقد أحد أحبته فجأة، فاكتشف أن سنوات الخصام كانت أثقل من أن تُحتمل، وأن كلمة اعتذار كان يمكن أن تُنهي كل ذلك الألم، وكم من إنسان كان يؤجل زيارة والديه أو أصدقائه بحجة الانشغال، حتى أدرك متأخرًا أن الفرص التي نظنها مؤجلة قد لا تعود.
وربما يحدث التحول أيضًا في لحظات بسيطة، عندما يخرج شخص من حادث نجا منه بأعجوبة، أو حين يرافق مريضًا في المستشفى ويدرك هشاشة الجسد، في تلك اللحظات تتغير الحسابات، وتصبح أشياء كنا نراها عظيمة أقل أهمية، وتظهر قيم أخرى أكثر عمقًا، مثل الوقت، والصحة، والعلاقات الإنسانية.
ولهذا، فإن إدراك حقيقة الموت لا ينبغي أن يثير الخوف فقط، بل يمكن أن يكون مصدر حكمة، فحين يدرك الإنسان أن الحياة قصيرة ومحدودة، ويبدأ في إعادة ترتيب أولوياته، ويصبح أكثر ميلًا للتسامح، وأكثر تقديرًا للحظات البسيطة مثل: جلسة عائلية هادئة، ضحكة مع صديق، أو لحظة تأمل في صباح جديد.
إن الوعي بحتمية الموت لا يدفع الإنسان إلى اليأس، بل قد يمنحه دافعًا أصدق للحياة، فحين نعلم أن الوقت محدود، ندرك أن كل يوم هو فرصة لا تتكرر، وأن المعنى الحقيقي للحياة لا يُقاس بطولها، بل بما نملأ به أيامها من أثر طيب وعلاقات صادقة.
في النهاية، ربما لا نستطيع تغيير الحقيقة الكبرى بأن الموت هو المصير المحتوم لكل إنسان، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيش قبل أن نصل إليه، فالحياة بكل ما فيها من ألم وأمل، تصبح أكثر قيمة حين نعيشها بوعيٍ حقيقي بأن كل لحظة فيها لا تتكرر، وأن ما يبقى بعدنا ليس أعمارنا الطويلة، بل المعنى الذي صنعناه خلال تلك الأعمار.