ترند بيالارا - أخبار
"صحاب الأرض" … حين تتحول الدراما إلى ذاكرة مفتوحة لحرب الإبادة في غزة

بقلم: حكمت نبيل المصري – غزة

في الأزمنة العادية، تُنتَج الدراما للترفيه أو لإعادة طرح الأسئلة الاجتماعية الكبرى. أمّا في زمن الإبادة، فإنها تتحول إلى فعل مقاومة رمزية، وإلى أرشيف إنساني يحفظ ما تعجز الكاميرات الإخبارية عن التقاطه. هكذا يمكن قراءة مسلسل «صحاب الأرض» بوصفه عملاً يتجاوز حدود الشاشة، ليحاكي الواقع الغزّي خلال الحرب، ولا سيما في شمال قطاع غزة، حيث تركزت أشدّ فصول العدوان قسوةً ودماراً.

وجاء العمل في هذا السياق كإنتاج درامي عُرض خلال موسم شهر رمضان، وهو توقيت يضاعف من حضوره وتأثيره في الوعي الجمعي العربي. المسلسل من إخراج بيتر ميمي، وتأليف محمد هشام عبيه وعمار صبري، ومن إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الاعلامية UNITEd STUDIOs، وشارك في بطولته عدد من الفنانين من بينهم منة شلبي، إياد نصار، عصام السقا، أدم بكري و تارا عبود إلى جانب وجوه شابة جسّدت ملامح الحياة الغزّية تحت النار. هذه العناصر مجتمعة منحت العمل تماسكاً فنياً، وربطت بين البعد الجمالي والرسالة الإنسانية التي يحملها.

شمال غزة… المكان بوصفه بطلًا

لم يكن اختيار شمال القطاع مجرد خلفية جغرافية للأحداث، بل كان قراراً دلالياً عميقاً. الشمال، الذي شكّل نقطة الصدمة الأولى ومسرح الاجتياحات والتدمير الواسع، يتحول في المسلسل إلى شخصية قائمة بذاتها: ليست شوارع وأبنية فحسب، بل ذاكرة حيّة تتنفس الألم والصمود معاً.

يُعيد العمل تشكيل صورة المكان كما عاشها أهله: أحياء سكنية تُمحى من الخريطة، مدارس تتحول إلى ملاجئ، مستشفيات تعمل على حافة الانهيار، ووجوه تبحث عن أحبّتها بين الركام. هنا لا يكون الدمار مشهداً بصرياً فقط، بل حالة شعورية تلازم الشخصيات في كل حركة وصمت.

من الحدث العسكري إلى الحكاية الإنسانية

ما يميز «صحاب الأرض» أنه لا يكتفي بإعادة إنتاج مشاهد القصف والاشتباك، بل يذهب إلى ما وراء الحدث العسكري. يقترب من التفاصيل الصغيرة: أمّ تعدّ ما تبقى من طعام، أبٌ يحاول إخفاء خوفه عن أطفاله، شابّ يقف حائراً بين البقاء والنزوح. هذه التفاصيل هي التي تصنع الحقيقة اليومية للحرب، وهي التي تمنح العمل صدقه الفني.

الدراما هنا تُؤرّخ ما لا يُؤرَّخ عادة: لحظة الانقطاع، الصمت بعد الانفجار، الانتظار الطويل لخبر نجاة، ارتباك العائلة أمام قرار النزوح. إنها كتابة للتاريخ من الداخل، من قلب البيت المهدد، لا من خلف منصة تحليل سياسي.

توثيق فني لحرب الإبادة

في السياق الفلسطيني، يُنظر إلى ما جرى ويجري في غزة بوصفه حرب إبادة تستهدف الإنسان والحجر معاً. «صحاب الأرض» يلتقط هذا المعنى دون خطاب مباشر أو شعارات، بل عبر تجسيد حجم الفقد الجماعي: بيوت كاملة تُباد، عائلات تُمحى، وأجيال تُترك لمواجهة صدمة تتجاوز قدرتها على الفهم.

بهذا المعنى، يصبح المسلسل وثيقة درامية. قد لا يقدّم أرقاماً وإحصاءات، لكنه يقدّم ما هو أعمق: الإحساس. والإحساس هو ما يبقى في الذاكرة، ويصنع الرواية التي تتوارثها الأجيال.

الدراما كفعل مقاومة

ليست المقاومة دائماً بندقية. أحياناً تكون مشهداً صادقاً يرفض النسيان. حين يُصرّ العمل على تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى إظهار الإنسان الفلسطيني بوصفه كائناً حيّاً له أحلام وعائلة وحق في الحياة، فإنه يقاوم محاولات اختزاله في رقم أو عنوان عابر في نشرة الأخبار.

«صحاب الأرض» يعيد الاعتبار للإنسان الغزّي، ويضعه في مركز الحكاية، لا على هامشها. يذكّر بأن وراء كل خبر عاجل قصة، ووراء كل صورة دمار حياة كانت نابضة قبل دقائق.

بين الفن والذاكرة

ربما لن توقف الدراما حرباً، لكنها قادرة على منع طمس الحقيقة. في لحظات التحول التاريخي، تصبح الأعمال الفنية مرآة للزمن وذاكرته البديلة. ومسلسل «صحاب الأرض» يأتي في هذا السياق، ليؤكد أن ما حدث في شمال غزة لن يبقى حدثاً عابراً، بل سيظل محفوراً في الوعي الجمعي، تُعيده الحكاية كلما حاول النسيان أن ينتصر.

في النهاية، لا يقدّم المسلسل مجرد سردية عن الحرب، بل يطرح سؤالاً أخلاقياً على المشاهد: ماذا يعني أن تكون “صاحب الأرض” حين تُستهدف الأرض نفسها؟

الإجابة لا تأتي في حوار طويل، بل في نظرة صمود، وفي بيتٍ مهدّم يصرّ أصحابه على أن له مستقبلاً.