بقلم: حكمت نبيل المصري – غزة
كم حربًا ينبغي أن نمرّ بها قبل أن يتعب العالم من صمتِه؟
وكم من الدماء يجب أن تُراق حتى يدرك الجميع أن هذه الأرض لا تشتهي الموت كما يظنون، بل تُجبر عليه؟
في كل مرة، تبدأ الحكاية بذات المشهد: سماءٌ مثقلة بالخوف، وأصواتٌ لا تفرّق بين ليلٍ ونهار، ووجوهٌ أنهكها الانتظار.
لكن ما لا يُرى في نشرات الأخبار، هو ما يتراكم في الداخل… في صدور الناس، في ذاكرة الأطفال، وفي تفاصيل الحياة التي لم تعد كما كانت.
لسنا أرقامًا في نشرات عاجلة، ولا عناوين عابرة في تقارير دولية.
نحن بشر نحاول، رغم كل شيء، أن نعيش حياة عادية: أن نخطط ليومٍ قادم، أن نحلم، أن نحب، وأن ننجو.
لكن السؤال الذي يطاردنا كل مرة:
هل كُتب علينا أن نُعيد ذات المشهد؟
أن نبدأ من الصفر بعد كل حرب، ثم نُفاجأ بأن الصفر نفسه لم يعد كما كان؟
الحروب لا تسرق الأرواح فقط، بل تسرق الإحساس بالزمن.
تصبح الأيام متشابهة، والسنوات مختصرة بين حربٍ وأخرى، حتى يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين “البداية” و”النهاية”.
يقولون إن الأرض ترتوي بالدماء…
لكن الحقيقة أن الأرض تختنق بها.
وأن كل قطرة دم لا تُنبت إلا مزيدًا من الألم، ومزيدًا من الأسئلة التي لا تجد إجابة.
لسنا بحاجة إلى حربٍ جديدة لنثبت شيئًا،
ولا إلى المزيد من الخسارات لنُقنع العالم بإنسانيتنا.
ما نحتاجه ببساطة… هو أن يتوقف هذا النزيف.
أن نعيش، فقط…
دون أن نعدّ الأيام على إيقاع الخوف،
ودون أن نودّع من نحب كل صباح وكأنه الوداع الأخير.
كم حربًا علينا أن نعيش؟
ربما السؤال الحقيقي ليس كم…
بل لماذا؟
ولمتى سيبقى هذا “اللماذا” بلا جواب؟