ترند بيالارا - أخبار
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي

بقلم: حكمت نبيل المصري – غزة 
 

لم تعد الحروب في العصر الحديث مجرد مواجهات عسكرية تقليدية تُقاس بنتائجها في الميدان، بل أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً، حيث تتداخل فيها الأدوات الصلبة مع أدوات ناعمة لا تقل تأثيراً وخطورة. ففي كل حرب معاصرة تقريباً، هناك مستويان متوازيان للصراع: الأول هو الحرب التي تُخاض على الأرض بالسلاح والدمار، والثاني حرب أخرى تُدار في الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتشكل العقول وتُعاد صياغة الحقائق.

الحرب الأولى هي الحرب المرئية: قصف، دمار، تدمير للبنية التحتية، وسقوط ضحايا. هذه الحرب ملموسة ويمكن توثيقها عبر تقارير الميدان وصور الأقمار الصناعية وشهادات الناجين، وهي التي تحدد النتائج العسكرية المباشرة للصراع.

لكن، وبالتوازي مع هذه المواجهة، تدور حرب أخرى أكثر تعقيداً: حرب الرواية والوعي. هذه الحرب لم تعد تقتصر على بث الأخبار أو الترويج الإعلامي التقليدي، بل تطورت أدواتها بشكل غير مسبوق. فقد باتت تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج صور ومقاطع فيديو مفبركة تبدو شديدة الواقعية، كما تُدار حملات منظمة عبر ما يُعرف بـ"الجيوش الإلكترونية" للتأثير في اتجاهات الرأي العام.

ولم تعد المسألة مقتصرة على نشر المحتوى، بل تجاوزت ذلك إلى شراء النفوذ الرقمي ذاته. إذ تشير وقائع متكررة خلال الحروب الأخيرة إلى محاولات التأثير المباشر على المنصات الرقمية أو استغلال سياساتها، إلى جانب شراء ذمم المؤثرين والتعاقد معهم لترويج روايات محددة. وفي حالات موثقة خلال الحرب على غزة، جرى التواصل المباشر مع مؤثرين وصنّاع محتوى وعرض صفقات مالية عليهم لدعم السردية الإسرائيلية، بل وتم تداول تفاصيل بعض هذه العروض على العلن، ما كشف حجم الاستثمار السياسي في توجيه الرأي العام عبر الفضاء الرقمي. كما أثير جدل واسع حول طبيعة المحتوى المعروض على منصات مثل "تيك توك"، وما إذا كانت هناك محاولات منظمة للتأثير على خوارزمياتها أو توجيه المحتوى بما يخدم رواية بعينها.

في هذه الحرب، لا يكون الهدف تدمير الدبابات أو الطائرات، بل تشكيل الإدراك العام. فصورة واحدة قد تعيد تشكيل وعي ملايين البشر، حتى وإن كانت مجتزأة أو مضللة. ومع تسارع تدفق المعلومات، يصبح المتلقي ذاته ساحة معركة، يُدفع أحياناً إلى تبني رواية معينة، أو إلى الوقوع في حالة شك شاملة تُفقده القدرة على التمييز.

ولا تقف آثار هذه الحرب عند حدود الجمهور، بل تمتد إلى التأثير في مواقف الحكومات وصنّاع القرار. فالرواية التي تهيمن إعلامياً قد تفرض ضغوطاً سياسية، وتعيد تشكيل التحالفات، بل وقد تؤثر في مسار العمليات العسكرية نفسها. ولهذا، لم يعد مستغرباً أن تستثمر الدول موارد ضخمة في إدارة خطابها الإعلامي، وأن تنشئ وحدات متخصصة في الحرب السيبرانية والإعلامية.

في المقابل، شهد العالم تطوراً ملحوظاً في أدوات التحقق من المعلومات ومكافحة التضليل. فقد ظهرت منصات متخصصة مثل "Bellingcat"، و*"Snopes"، و"FactCheck.org"، إلى جانب مبادرات عربية مثل "مسبار" و"فتبينوا"*، والتي تعمل على تحليل الصور والفيديوهات وتتبع مصادرها وكشف التلاعب فيها. كما باتت تقنيات التحقق الرقمي، مثل تحليل البيانات الوصفية (Metadata) وتتبع المواقع الجغرافية (Geolocation)، أدوات أساسية في كشف الحقيقة.

ومع ذلك، فإن الإشكالية الكبرى تكمن في أن الجمهور العام لا يلجأ في الغالب إلى هذه الأدوات، ولا يمارس التحقق الذاتي بالقدر الكافي، إما بسبب سرعة تدفق المعلومات، أو الانحيازات المسبقة، أو ضعف الوعي الرقمي. وهو ما يجعل التضليل أكثر قدرة على الانتشار من الحقيقة.
من هنا، لم يعد كافياً إنتاج الحقيقة بحد ذاتها، بل أصبح من الضروري بذل جهد مضاعف—بل أضعاف مضاعفة—لنشرها وإيصالها إلى الناس بنفس الكثافة والسرعة التي تنتشر بها الروايات المضللة.

وتُعد غزة مثالاً حياً على هذا التناقض. فعلى الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي في الحرب الميدانية، فإن المعركة على مستوى الرواية شهدت تحولاً ملحوظاً. فقد أسهمت الصور والشهادات الميدانية، إلى جانب جهود الصحفيين والنشطاء ومنصات التحقق، في كشف جانب كبير من الحقائق، ما أدى إلى تآكل الرواية الإسرائيلية في وعي قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. ولم يعد يتمسك بها إلا من يرتبطون بمصالح مباشرة، سواء عبر التمويل أو التأثير أو الخشية من تبعات سياسية وإعلامية.

في النهاية، يمكن القول إن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط في الميدان، بل أيضاً في فضاء الوعي. فالمعركة على الأرض تحدد من يسيطر، لكن المعركة على الرواية تحدد كيف سيُحكم التاريخ على ما جرى.

وبين هاتين المعركتين، يقف الإنسان أمام مسؤولية أخلاقية ومعرفية: ألا يكون مجرد متلقٍ سلبي، بل فاعلاً في البحث عن الحقيقة، قادراً على التمييز، ومحصناً ضد محاولات التوجيه والتضليل.