اعداد: حاتم أبوزيد
بأنفٍ أحمر وحقيبة مليئة بالقصص، يغير فريق الأنوف الحمراء ملامح اليوم الرتيب في دور رعاية المسنين والمستشفيات، بعيداً عن صرامة الأجواء الطبية، يأتي هؤلاء 'الأطباء المهرجون' ليكونوا أجواءً من السعادة والفرح في ظل الظروف العصيبة التي يمر بها أبناء شعبنا، حيث أن مهمتهم ليست سهلة لكنها نبيلة، تتمثل في تحويل الصمت إلى صخبٍ من الضحك، واستبدال وحشة المرض بمشاعر دافئة تعيد لكبارنا بريق سنواتهم الذهبية وتؤنس وحشتهم.
وفي سياق تسليط الضوء على هذا الدور الإنساني الفريد، أجرت بيالارا حواراً خاصاً مع الأستاذ داود طوطح؛ مدير مؤسسة "الأنوف الحمراء" في فلسطين، للوقوف على رؤية المؤسسة وأهدافها العميقة، وقد كشف طوطح خلال حديثه عن الفلسفة التي تنطلق منها المؤسسة في تحويل الفكاهة إلى أداة دعم نفسي وطبي، موضحاً كيف يساهم "الأطباء المهرجون" في كسر حاجز العزلة لدى الفئات الأكثر احتياجاً للفرح، وعلى رأسهم أجدادنا وجداتنا في دور الرعاية، كما حصلنا خلال هذه المادة على إجابات وافية حول طبيعة عملهم، وتوثيق حيّ لمواقف إنسانية تركت أثراً عميقاً في نفوس العاملين والمسنين على حد سواء.
من هم "الأنوف الحمراء"؟
بدأت قصة "الأنوف الحمراء" في فلسطين كمشروع في عام 2010، ثم تبلورت رسمياً كفرع للمؤسسة الدولية (ومقرها فيينا) في عام 2012، اليوم، وبعد 15 عاماً من العمل الدؤوب، أصبحت المؤسسة الرائدة في فن "التهريج الطبي" في فلسطين.
يقول طوطح: "تقوم رؤية المؤسسة على إيمان عميق بجمال المشاعر الإنسانية، وضرورة مساعدة الناس على إعادة اكتشاف لحظات السعادة، خاصة في أوقات الأزمات والضغوط، فالأنوف الحمراء ليست مجرد عرض فني، بل هي حركة عالمية تسعى لبناء عالم أكثر إنسانية وصحة عبر نشر الرفاه النفسي".
لماذا دور الرعاية؟ ولماذا كبار السن؟
قد يتساءل البعض، لماذا يذهب المهرجون إلى المسنين؟ والإجابة تكمن في نوعية الحياة التي يعايشونها، إذ يعاني كبار السن غالباً من صعوبات في الحركة، وضعف في الإدراك، وشعور بالعزلة والوحدة، وهنا يأتي دور المهرج الطبي ليبني جسراً نحو الامل وطريقا نحو الفرح.
ويضيف طوطح: " إن زيارات المهرجين المنتظمة تزيد من رغبة كبار السن في المشاركة والاندماج، حيث لا يكتفي المهرج بإلقاء النكات، بل يجلس بجانب السرير، ويستخدم الموسيقى، يستحضر الروائح المألوفة، ويشاركهم ذكرياتهم الجميلة منها، بالنسبة لمريض الزهايمر أو الاكتئاب، قد تكون هذه اللحظات هي النافذة الوحيدة التي يطل منها على الفرح مرة أخرى".
أهداف تتجاوز الابتسامة..
وعند الحديث عن أهداف المؤسسة أجاب طوطح بأن أهداف المؤسسة لا تقتصر على الترفيه، بل تمتد لأبعاد طبية ونفسية، فالضحك يفرز هرمون "الإندورفين"، الذي يقوي جهاز المناعة، يخفف الألم، ويعدّل الحالة المزاجية للمريض، مما يعزز من استجابته للعلاج، في ذات السياق يقول طوطح: "في المستشفيات الفلسطينية، حيث يفتقد الأطفال أحياناً لوجود عائلاتهم بسبب ظروف الاحتلال أو العوائق اللوجستية، يصبح المهرج الرفيق الذي يكسر وحشة المرض".
رسالة إنسانية بلا أرباح..
تؤكد " الأنوف الحمراء" أن عملها يندرج بالكامل تحت الإطار الإنساني والمجتمعي، فهي تتلقى دعمها من مؤسسات دولية مثل مؤسسة "دروسوس" والوزارة الاتحادية للشؤون الاجتماعية في النمسا، بالإضافة إلى التمويل المركزي من المؤسسة الأم في فيينا، كما أن الزيارات للمراكز المتعاقد معها تكون مجانية تماماً على حساب "الأنوف الحمراء"، وهي جزء من التزام المؤسسة تجاه الفئات المهمشة في المجتمع الفلسطيني.
حين يداوي المهرج جراحه بجراح الآخرين..
خلف كل "أنف أحمر" قصة إنسانية عميقة، مؤيد، أحد المهرجين الطبيين، يروي تجربته مع برنامج كبار السن، وبعد فقدانه لوالديه، كان مؤيد يخشى أن تفتح رؤية كبار السن جراحه القديمة، لكن المفاجأة كانت عندما وجد في وجوه الأجداد والجدات حضوراً لطيفاً لوالديه.
يقول مؤيد: "كنت أخاف من رؤية صور أمي وأبي، لكن العمل مع كبار السن ملأ الفراغ داخلي، وتعلمت أن التهريج مع المسنين يتطلب إيقاعاً أبطأ، وإصغاءً أعمق، واحتراماً كبيراً لكرامتهم"، ويرى مؤيد نفسه رفيقاً لهم، ليثبت للعالم أن اللعب والضحك لا يعرفان حدوداً عمرية بحسب ما أضاف.
وتعكس الفيديوهات والأنشطة اليومية للأنوف الحمراء تفاعلاً حياً؛ حيث يرتدي المهرجون ملابس ذات ألوان جاذبة وأسماء شخصيات محببة، يرقصون مع الأجداد والجدات، ويغنون الأغاني التراثية لهم، ويحولون غرف الرعاية الصامتة إلى مساحات من الحكايات والضحك.
إن ما تقوم به مؤسسة الأنوف الحمراء ليس مجرد عرض ترفيهي عابر، بل هو تذكير حي لنا جميعاً بأن الحق في الفرح قيمة إنسانية ثابتة لا يسقطها التقادم ولا تمحوها السنين، هؤلاء الأطباء المهرجون ينسجون ببراعة حلقة وصل فريدة بين ماضٍ يضج بالذكريات وحاضر يعيشونه، مؤكدين أن التقدم في العمر ليس نهاية للشغف، فخلف كل وجه رسم الزمن تجاعيده، يختبئ طفل صغير ما زال يتوق للحظة دهشة، وينتظر بشوق من يربت على كتفه ويدعوه للضحك من جديد، ليعيدوا بذلك الروح إلى الزوايا المنسية ويحولوا العزلة إلى احتفاء صاخب بالحياة.