غانية ملحيس في حوار مع بيالارا:
"فجوة الزمن السياسي" صرخة نقدية لإعادة بناء الوعي والمشروع الوطني
اعداد: حاتم أبوزيد
يأتي استعراضنا لكتاب "فجوة الزمن السياسي" استجابةً للتوجيه الواعي والمبكر بأهمية تسليط الضوء على هذا الإصدار وما يحملهُ من أبعاد توعوية ملحة، فالكتاب لا يتطرق للأحداث بسطحية، بل يشكل مدخلاً تأسيسياً لمراجعة نقدية عميقة تواجهنا بالسؤال الأكثر إلحاحاً في واقعنا الراهن: كيف تتسع الهوة يوماً بعد يوم بين تسارع التحولات على الأرض، وبين عجز أدواتنا ومفاهيمنا السياسية التقليدية عن ملاحقتها؟ من هنا، وجدنا في "بيالارا" أن الاشتباك مع هذه الأفكار ونقلها إلى دائرة النقاش العام هو واجب وطني ومعرفي، لنضع جمهورنا الشاب أمام مرآة الحقيقة وأسئلة المستقبل.
يشكل كتاب "فجوة الزمن السياسي: فلسطين بين تسارع الاستعمار وتكلس البنية وإعادة تعريف الممكن" للباحثة والكاتبة غانية ملحيس محطة فكرية بارزة في حقل العلوم السياسية والدراسات الاجتماعية، وصدر الكتاب في عام 2026 عن "دار الناشر"، ويقع في 148 صفحة من القطع المتوسط، يتوزع الكتاب في هيكليته على محاور وفصول متسلسلة تعتمد أسلوباً نقدياً تحليلياً رصيناً، يمزج بين العمق الفكري واللغة الإنسانية الحية، يبدأ الكتاب بتشخيص دقيق لتوقيت الصدور باعتباره ابناً للحظة الراهنة، ثم ينتقل لتفكيك الأزمة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني ومسار حركة "فتح"، وصولاً إلى طرح رؤى عميقة حول إعادة صياغة الوعي، والتعليم كرافعة استراتيجية للصمود (عبر تخصيص ريعه كوقف تعليمي لغزة)، ودور الأجيال الشابة والمرأة في اشتقاق لغة سياسية جديدة خارج أسوار القوالب التقليدية.
ومن هذا المنطلق، وجدنا في الهيئة الفلسطينية للإعلام وتفعيل دور الشباب (بيالارا) ضرورة ملحة لعمل حوار مع الدكتورة غانية ملحيس، لنقرّب هذه الأسئلة لجمهورنا الشاب، ونفتش سوياً عن مساحات أمل وفكر تفتح لنا طاقات أمل جديدة، وإليكم تفاصيل ما دار في هذا الحوار:
- كيف تقرأون توقيت صدور كتاب "فجوة الزمن السياسي" في ظل مرحلة شديدة الكثافة والتسارع في السياق السياسي الفلسطيني الراهن؟
التوقيت لم يأتِ من فراغ، بل هو ابن شرعي للحظة الفلسطينية التي نعيشها بكل قسوتها وكثافتها، الأحداث تتسارع من حولنا بوتيرة جنونية، بينما ما زالت عقولنا وأدواتنا تتحرك بمنطق قديم لا يواكب العصر، "فجوة الزمن السياسي" تعبير دقيق عن هذا الشرخ؛ فهي لا تعني مجرد تأخير، بل تعكس اتساع المسافة بين سرعة الواقع وعجز النظام السياسي عن التقاطه، لم أرد كتابة تقرير عابر عن اللحظة، بل محاولة لفهم الجذور: كيف وصلنا إلى هنا؟ ولماذا أصبحت أدواتنا عاجزة؟ المستقبل لن يُصنع بأدوات الماضي، ومن هنا وجب إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول المشروع الوطني والشرعية من جديد.
- ما هي الفكرة المركزية التي يسعى الكتاب إلى تفكيكها وتحليلها فيما يتعلق ببنية النظام السياسي الفلسطيني ومسار حركة "فتح"؟
جوهر الأزمة أعمق بكثير من مجرد خلافات تنظيمية أو عثرات قيادية هنا وهناك، وهي ليست مجرد تحولات داخلية تخص حركة "فتح" وحدها، المشكلة بنية أساسية اهتزت فيها العلاقة بين الحركة الوطنية وهدفها التاريخي، وانتقلت من زمن الثورة والتحرر إلى زمن السلطة وإدارة الشأن اليومي تحت الاحتلال. السؤال الحقيقي ليس ماذا جرى لفتح؟، بل ماذا حل بالمشروع الوطني الذي كانت تحمله؟، نحن بحاجة لتفكيك هذه البنية لا لنجلد أنفسنا، بل لنحرر مستقبلنا من أسر الماضي.
- كيف يُنظر إلى عائد بيع النسخ المتاحة والطبعات اللاحقة للكتاب بوصفه وقْفا مخصصا لدعم المسيرة التعليمية في قطاع غزة؟
أردتُ أن يغادر الكتاب أبراج الفكر العاجية ليلامس حياة الناس وأوجاعهم على الأرض، التعليم بالنسبة لي ليس قطاعاً خدمياً ثانوياً، بل هو صلب المشروع الوطني وروح استمرارية مجتمعنا، خصوصاً في غزة التي تواجه حرب إبادة وتدمير ممنهج تجعل من الحفاظ على المدرسة والجامعة تحدياً وجودياً وأخلاقياً، إن مفهوم "الوقف" هنا يعني لي أن يترك الكتاب أثراً حياً مستمراً، فدعم تعليم أطفال غزة وشبابها هو استثمار حقيقي في إنساننا القادر وحده على النهوض وإعادة البناء.
- ما هي الرسالة الأبرز التي يحملها الكتاب إلى الأجيال الفلسطينية الفتية في ظل بحثها المستمر عن أفق للمستقبل؟
رسالتي للشباب باختصار: إياكم أن تستسلموا لفكرة "الانسداد" أو أن تروا الواقع كقدر محتوم لا يمكن تغييره، أكبر خطر يواجه هذا الجيل هو أن يرث أفكاراً وتصورات لم تعد صالحة لتفسير عالمه، من حقكم أن تسألوا، وأن تعيدوا التفكير، وأن ترفضوا استنساخ إجابات الأجيال السابقة، احترامنا لتاريخنا لا يعني أبداً أن نظل أسرى له؛ بل يعني أن نقرأه بوعي لنصنع مستقبلنا بأيدينا، لا تنتظروا أحداً ليفتح لكم الأفق، بل بادروا لصناعته بأنفسكم.
- نجحتم في خلق حالة واسعة من الحوار وإنعاش النقاش العام حول ندواتكم الفكرية عبر منصات التواصل؛ كيف تقرؤون هذا التفاعل المجتمعي؟
هذا التفاعل أسعدني جداً لأنه يثبت أن المجتمع الفلسطيني، رغم كل ما يحيط به من ضغوط ويأس، عطشان للحوار والتفكير النقدي، الجميل أن النقاش لم يبق محصوراً في غرف النخب الضيقة، بل تسلل إلى بيوت وشباب لم يكونوا جزءاً من المشهد المباشر، هذا يدل على أن السياسة لم تمُت في وجدان الناس، بل هي تبحث عن لغة جديدة وأفق أوسع يشبههم ويعبر عن أسئلتهم الحقيقية بعيداً عن الخطابات المستهلكة.
- في ظل ما يُشار إليه أحيانا بندرة الأقلام النسائية في الحقلين السياسي والأدبي، كيف طوّرتم مهاراتكم وأدواتكم التعبيرية في الكتابة الفكرية والسياسية؟
لم أصل إلى هذه النقطة صدفة، بل هي حصيلة سنوات طويلة من القراءة والمراقبة ومعاناة الأسئلة الحارقة، الكتابة الفكرية لا تتأتى من امتلاك إجابات جاهزة، بل من القدرة على طرح السؤال الصحيح بلا خوف، أما عن ندرة الأقلام النسائية، فأعتقد أن حضور المرأة لا يُقاس بالأرقام، بل بقدرتها على نحت خطابها المستقل بندية وكفاءة، المرأة الفلسطينية ليست طارئة على النضال، وكل ما تحتاجه اليوم هو أن تحجز مكانها الطبيعي كمنتجة للمعرفة، مانحة كتاباتها روحاً إنسانية لا تنفصل عن نبض الشارع.
- ما هي نصيحتكم للمرأة الفلسطينية والعربية في ظل التحديات التي تواجه حضورها الأدبي والكتابي في المشهد العام؟
أقول لكل امرأة تعاني من هذه التحديات: لا تنتظري إذناً من أحد، ولا تعيشي دور الضحية المنتظرة للاعتراف، المعرفة هي السلاح الأبقى، والاستثمار في بناء عقلك ولغتك هو طريقك الوحيد للاستقلال، لا تحتاجي لاستعارة صوت رجل أو تبرير وجودك، اكتبي بصوتك الخاص وادخلي الميدان الفكري والسياسي بندية كاملة، فالكتابة هي مساحتك الأوسع لتقولي "أنا هنا"، والحضور الحقيقي لا يُهدى ولا يُمنح، بل تنتزعه الفكرة الصلبة والكفاءة المؤثرة.
في الختام، يضعنا كتاب الدكتورة غانية ملحيس أمام استحقاق تاريخي لا يقبل التأجيل، فإعادة بناء الوعي الوطني وتأسيس لغة سياسية جديدة قادرة على ردم الهوة مع متطلبات العصر لم تعد رفاهية فكرية، بل هي طوق النجاة الأهم لمجتمعنا وللأجيال القادمة، إن "فجوة الزمن السياسي" ليس مجرد قراءة تشخيصية لأزماتنا، بل هو دعوة مفتوحة لمغادرة مربع الشكوى والانتظار، والولوج بشجاعة نحو صناعة البدائل، لنثبت مجدداً أن الفكرة الحرة قادرة على شق طريقها وسط كل حواجز العتمة والانسداد.